ابن عربي
394
مجموعه رسائل ابن عربي
يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ « 1 » وذلك يفهم أن كل ما ظهر على أيدي العباد ، فهو منسوب إليه ، وفعل له ، وأن جوارحنا مظهر له ، وواسطة فيه ، فهو على الحقية الفاعل ، بجوارحنا ، مع القطع الضروي لكل عاقل ، ان جوارج العبد ليست جوارح لربنا تعالى ، ولا صفات له . ونبه على الثاني بقوله فيما أخبر به نبيه ( ص ) في صحيح البخاري : « ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها » الحديث . وقد حقق اللّه لنبينا ( ص ) ذلك بقوله تعالى : أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ « 2 » بعد قوله : خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها « 3 » وبقوله عزّ من قائل : إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ « 4 » فنزل يد نبيه منزلة يده في المبايعة وأخذ الصدقات والرمي في قوله : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى « 5 » وذلك كله يفهم أن العبد إذا صار محبوبا صارت أفعاله ناشئة عن أنوار علوية روحانية من عند ربه ، تكون له بمثابة الجوارح ، وأن اللّه سبحانه يكون له بواسطتها سمعا وبصرا ويدا ورجلا ، مع القطع الضروري أن اللّه سبحانه لا يكون جارحة لعبده ، ولكن سر الأمر في تحقيق ذلك : ان اللّه جلت حكمته ضرب لنفسه في دوائر ملكه مثلا بالقلب في دائرة بدنه « 6 » ومن المعلوم لكل أحد : أن المتصرف في دائرة بدنه هو قلبه ، ونور شامل لجميع أجزائه ، وروح الحياة منه شائعة في سائر أقطاره ، وأن الجوارح مظاهر لأنوار القلب وتصرفاته ، فبنوره تبصر العين ، وتسمع الأذن ، ويشم الأنف ، ويذوق اللسان وينطق ، وتلمس الجوارح وتبطش ، مع العلم الضروري بأن الجوارح صفات للبدن ، وليست صفات للقلب ، ولا تعلق لها به ، ولا تنسب إليه إلّا نسبة الاتباع والعبيد للملك المطاع .
--> ( 1 ) سورة التوبة ؛ الآية : 14 . ( 2 ) سورة التوبة ؛ الآيتان : 103 و 104 . ( 3 ) سورة التوبة ؛ الآيتان : 103 و 104 . ( 4 ) سورة الفتح ؛ الآية : 10 . ( 5 ) سورة الأنفال ؛ الآية : 17 . ( 6 ) قوله ضرب لنفسه الخ : لعل تفسيره ما بعده ، وهو أن القلب هو المتصرف في دائرة البدن ، وعلى كل حال ، فالعبارة ليست دقيقة ، لأن الشيخ لم يبيّن من أين مضرب المثل ، إذ ظاهر انه استنبطه اجتهادا ، واللّه أعلم . مخيون .